Categories Uncategorized

من المشروع إلى السياسة: كيف تعيد المنطقة العربية تعريف موقعها الفلاحي من تونس

قراءة تحليلية في مخرجات اللقاء الإقليمي للزراعة الإيكولوجية والسياسات العامة

تونس | 1–4 سبتمبر/أيلول 2026

من يملك الحق في تقرير مستقبل الأرض؟

قراءة تحليلية في مخرجات اللقاء الإقليمي للزراعة الإيكولوجية والسياسات العامة – المنطقة العربية، تونس، 1–4 سبتمبر/أيلول 6202

في قاعة بتونس، أمضى فلاحون وفلاحات من ثماني دول عربية أربعة أيام لا يتحدثون فيها عمن يملك حق تقرير كيف تُزرع الأرض، ولمن، وبأي ثمن. هذا هو الفارق الذي يجعل من اللقاء الإقليمي للزراعة الإيكولوجية والسياسات العامة، الذي عقدته المنطقة العربية لِلافياكامبيسينا في تونس بين الأول والرابع من سبتمبر/أيلول 2026، محطة تستحق قراءة أعمق من حصر مخرجاته في بيان ختامي، وأبعد من تصنيفه ضمن سلسلة الاجتماعات الإقليمية التي اعتادتها المنظمات الزراعية العربية على مدى عقود.

فما جرى في تونس لا يوصف بدقة بأنه اجتماع حول الزراعة الإيكولوجية بقدر ما هو محاولة، لا تزال في طور التشكل، لإعادة تعريف موقع الفلاح العربي: من متلقٍ لمشاريع التنمية الزراعية إلى صاحب قرار فيها، ومن حضور متفرق داخل حركة فلاحية عالمية إلى مساحة سياسية إقليمية لها خطابها وأولوياتها. والسؤال الذي يستحق أن يرافق أي قراءة لما صدر عن تونس هو: ما الذي يتغير فعلًا في الحركة الفلاحية العربية، وهل يمكن اعتبار هذا اللقاء علامة على هذا التحول أم مجرد محطة أخرى في سجل طويل من اللقاءات التي لا تُغيّر ميزان القوى؟

فالمنطقة العربية دخلت العقود الأخيرة من تاريخها الزراعي محمّلة بإرث معقد: برامج تنمية ريفية مولتها جهات دولية متعاقبة، ومنظمات غير حكومية تعلمت لغة المشروع والمانح أكثر مما تعلمت لغة التنظيم القاعدي، وفلاحون تعاملت معهم السياسات الرسمية غالبًا كأرقام إنتاج لا كأصحاب حق في الأرض التي يفلحونها. بيان تونس لا يلغي هذا الإرث، لكنه يقرأه بوعي نقدي حين يميز، ولو ضمنيًا، بين منظمة تدير مشروعات وحركة تبني سلطة قرار فلاحية. وهذا التمييز، كما سيتضح لاحقًا، هو المفتاح الذي يفسر لماذا تصرّ وثيقة اللقاء على مفردات السياسة العامة والسيادة والقرار، بدل مفردات الخدمة والمساعدة والدعم الفني التي اعتاد عليها قطاع كبير من العمل التنموي في المنطقة.

من يملك القرار: القضية الفلاحية كسؤال سلطة:

لعقود، طُرحت المسألة الزراعية في المنطقة العربية بوصفها مسألة إنتاجية بالدرجة الأولى: كيف نزيد الغلة، وكيف نحسّن الإنتاجية، وكيف نُدخل تقنيات أحدث إلى حقل يُفترض أنه متأخر عن ركب الحداثة الزراعية. البيان الصادر عن تونس يكسر هذا الإطار من جذوره. فالسيادة الغذائية، كما وردت في نص اللقاء، لا تعني زيادة الإنتاج فحسب، بل حق الشعوب في تقرير نظمها الزراعية والغذائية، وحق الفلاحين في الأرض والماء والبذور، والمعرفة، والتنظيم، والأسواق. وهذا تحول في موقع السؤال نفسه: لم يعد السؤال “كيف نزرع أكثر” بل “من يقرر ماذا نزرع، وكيف، ولمن”.

من يملك الأرض والماء والبذور؟ من يحدد السياسات الزراعية؟ من يقرر ما الذي يُزرع ولمن؟ ومن يتحمل الكلفة البيئية والاجتماعية لنموذج زراعي بُني، في جزء كبير منه، على تبعية المدخلات والتصدير؟ هذه الأسئلة ليست خلفية نظرية للقاء تونس، بل هي المتن الذي بُني عليه البيان بأكمله. والانتقال من “الأمن الغذائي”، بوصفه هدفًا كميًا يُقاس بتوفر الغذاء، إلى “السيادة الغذائية”، بوصفها حقًا في تقرير مصير النظام الغذائي، هو انتقال في موقع الفلاح نفسه: من مستفيد من سياسة تُصاغ فوقه إلى صاحب حق في صياغتها. الفرق ليس لغويًا؛ فالأمن الغذائي يمكن أن يتحقق عبر الاستيراد أو المعونة أو شركات زراعية كبرى تتحكم بالسلسلة الغذائية بأكملها، بينما لا تتحقق السيادة الغذائية إلا حين تكون قرارات الأرض والماء والبذور بين أيدي من يعيشون منها.

وهذا الموقع الجديد للفلاح -صاحب حق لا مستفيدًا- هو الخيط الذي يربط كل أقسام البيان: من مسألة الأرض والمياه، إلى السياسات العامة، إلى موقع النساء والشباب، إلى فلسطين والسودان، إلى موقع المنطقة العربية داخل الحركة الفلاحية العالمية.

الزراعة الإيكولوجية: من يملك المعرفة الشرعية؟

يسهل، عند الحديث عن الزراعة الإيكولوجية، الانزلاق نحو تقديمها كحزمة ممارسات بيئية: تقليل المدخلات الكيميائية، تنويع المحاصيل، صون التربة. لكن البيان الصادر عن تونس يرفض هذا الاختزال صراحة، ويصف الزراعة الإيكولوجية بأنها مسار للتحول الاجتماعي والبيئي والسياسي، لا حزمة تقنيات جاهزة ولا مشروعًا قصير الأجل. الفارق بين الوصفين ليس أسلوبيًا: حزمة التقنيات تُدرَّس وتُنقَل من الخارج إلى الداخل، بينما مسار التحول يُبنى من الداخل، من تجربة الفلاح وأرضه ومناخه المحلي.

هنا تكمن أهمية ما وصفه اللقاء بأنه رصيد المنطقة “الغني وإن كان متفاوتًا ومهددًا” من المعرفة والتجارب المرتبطة بحفظ البذور، وإدارة المياه، وصيانة التربة، والزراعة البعلية، والرعي، والتنوع الزراعي، والنظم المتكاملة. هذا الرصيد لم يُصَغ في البيان كتراث فولكلوري يستحق التوثيق، بل كأساس معرفي يمكن البناء عليه: بناء الزراعة الإيكولوجية العربية، كما جاء حرفيًا، “لا يبدأ من الصفر، بل من استعادة هذه المعرفة وتطويرها وربطها بالبحث التشاركي والتنظيم الفلاحي والتجارب المعاصرة”. أي أن الفلاح هنا ليس موضوعًا يُدرَّس، بل شريكًا في بحث تشاركي، وهذا فرق جوهري عن نموذج الإرشاد الزراعي التقليدي الذي يضع الخبير في الأعلى والفلاح في الأسفل.

ويتجسد هذا المنطق في الالتزام ببناء إطار إقليمي لمدارس الزراعة الإيكولوجية الفلاحية، قائم على التعلّم من فلاح إلى فلاح، وعلى إنتاج المعرفة من الحقل والتجربة، وعلى بناء القيادات والتنظيم إلى جانب بناء المهارات. المدرسة هنا ليست مركز تدريب يُخرّج فلاحين أكثر مهارة تقنيًا، بل ما وصفه البيان بـ”فضاء حي لإنتاج المعرفة والدفاع عنها”. والدفاع عن المعرفة فعل سياسي بقدر ما هو معرفي: من يملك الحق في تعريف “المعرفة الزراعية الصحيحة” يملك سلطة رمزية لا تقل أهمية عن سلطة من يملك الأرض. حين تصبح مدارس الفلاحين هي من تنتج هذا التعريف، بدل الجامعات الزراعية أو شركات المدخلات أو برامج المانحين، يكون قد حدث تحول في موقع المعرفة نفسه، لا فقط في أساليب الزراعة.

هذا الطرح يضع الفلاح في موقع مغاير تمامًا لموقعه المعتاد في برامج الإرشاد الزراعي الرسمية، حيث يقف المهندس الزراعي أو الخبير الدولي في موقع من يملك الحل، والفلاح في موقع من ينفذه أو يقاومه. حين تقوم مدارس الفلاحين على مبدأ التعلّم الأفقي -من فلاح إلى فلاح- فإنها تفكك هذا التراتب: التجربة التي راكمها فلاح في إدارة مياه محدودة، أو في حفظ صنف بذور محلي قاوم الجفاف لأجيال، تصبح معرفة معترفًا بها، لا مجرد “معرفة تقليدية” يُنظر إليها كمرحلة يجب تجاوزها نحو “الحداثة الزراعية”. وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن “استعادة المعرفة” في البيان أقرب إلى موقف سياسي إزاء من يملك حق التعريف، لا مجرد حنين إلى ممارسات الأجداد.

الأرض والماء والبذور: من الحق إلى السلعة

لا شيء في البيان الختامي يختصر موقف اللقاء من الموارد الطبيعية أكثر من ثلاث جمل قصيرة متتالية: الماء حق وليس سلعة، والأرض أساس للحياة وليست أصلًا ماليًا للمضاربة، والبذور إرث حي تطوره الأجيال الفلاحية وليست مدخلًا تجاريًا قابلًا للاحتكار. هذه الجمل، على بساطتها الظاهرة، تختزل صراعًا ممتدًا في المنطقة العربية بين منطقين متعارضين لفهم الموارد: منطق الحق الجماعي الذي يربط الأرض والماء والبذور بالبقاء والذاكرة والاستمرارية، ومنطق السلعة الذي يحوّل هذه الموارد إلى أصول قابلة للتسييل والمضاربة والتصدير.

وحين ينتقل البيان من التعميم إلى المثال، يصبح الصراع ملموسًا: تسجيل بقلق ما تشهده أراضٍ فلاحية في المغرب من استحواذ “ينتزعها من صغار الفلاحين ويحوّلها إلى ضيعات كبرى شبيهة بالإقطاع”، وتحويلها “من أرض منتجة لقوت الناس إلى أرض موجهة للتصدير والمضاربة”. هذه الإشارة، رغم اقتصارها على سطرين، تضع إصبعها على نمط متكرر في أكثر من بلد عربي: أرض كانت تنتج غذاء المجتمعات المحلية تتحول، عبر آليات استثمار كبرى، إلى أرض تنتج لأسواق بعيدة، بينما يفقد من كانوا يعيشون عليها إمكانية الوصول إليها أو حتى العمل فيها بشروط كريمة. والمفارقة أن هذا التحول غالبًا ما يُقدَّم بلغة التنمية والاستثمار وجذب رؤوس الأموال، لا بلغة نزع الملكية.

من هذا المثال المحدد، ينتقل البيان إلى مطلب سياسات عامة: حماية الأراضي الفلاحية من الاستحواذ العشوائي والمضاربة، وضمان عدالة الوصول إلى المياه وإدارتها، وصون حق الفلاحين في حفظ البذور واختيارها وتبادلها، ودعم التنوع الحيوي والنظم الزراعية المحلية. وهذا الانتقال من التشخيص إلى المطلب السياسي هو ما يميز خطاب اللقاء عن خطاب الشكوى: لا يكتفي بوصف الاستحواذ، بل يحدد من يملك صلاحية وقفه -السياسات العامة- ويطالب بتحريكها في الاتجاه المعاكس.

والبذور، في هذا التسلسل، ليست الحلقة الأقل أهمية. فحين يوصف احتكارها بأنه تحويل “إرث حي تطوره الأجيال الفلاحية” إلى “مدخل تجاري”، فإن المسألة تتجاوز حماية صنف نباتي معين إلى حماية علاقة تاريخية بين الفلاح وبذوره: بذور اختارها وطوّرها وتبادلها مع جيرانه عبر أجيال، مقابل بذور تُشترى موسميًا من شركة، بشروط ملكية فكرية تمنع إعادة الزرع أو التبادل. حين يطالب اللقاء بصون حق الفلاحين في حفظ البذور واختيارها وتبادلها، فإنه يدافع، عمليًا، عن استمرار هذه العلاقة في مواجهة أنظمة بذور رسمية تميل، في أكثر من بلد عربي، إلى تفضيل الأصناف المسجلة تجاريًا على حساب الأصناف المحلية.

المناخ: سؤال من يدفع الثمن

يتجاوز البيان الختامي الصيغة المعتادة التي تقدم التغير المناخي كتهديد خارجي يصيب الزراعة، وكأن المناخ والزراعة موضوعان منفصلان يلتقيان عرضًا. بدل ذلك، يربط اللقاء أزمة المناخ مباشرة بالمديونية والتبعية والسياسات التنموية والطاقية السائدة، ويضعها ضمن السياق الأوسع للاقتصاد السياسي الذي أنتج هذه الأزمة أصلًا: نموذج تنموي مثقل بالديون، يعتمد على تصدير الموارد لتسديدها، ويعيد إنتاج التبعية بدل كسرها.

والأخطر من ذلك، بحسب البيان، هو ما قد يحدث تحت غطاء مواجهة هذه الأزمة نفسها: تحذير صريح من “تحويل العمل المناخي والانتقال الطاقي إلى بوابة جديدة للاستحواذ على الأراضي والموارد تحت عناوين خضراء”، أو إلى مشروعات كبرى تستبعد الفلاحين والمجتمعات المحلية من القرار والمنافع. هذا نقد سياسي دقيق لما يُعرف عالميًا بـ”الاستحواذ الأخضر”: مزارع رياح أو ألواح شمسية أو مشروعات كربون تُقام على أراضٍ فلاحية أو رعوية، بتمويل مناخي وبلغة الاستدامة، بينما تُستبعد المجتمعات التي كانت تعيش على هذه الأرض من أي منفعة أو قرار. السؤال الذي يطرحه البيان ضمنيًا هو: من يملك التحول الأخضر؟ من يستفيد منه؟ ومن يدفع ثمنه حين يتحول إلى مشروع استثماري آخر بدل أن يكون مشروع عدالة؟

الإجابة التي يقترحها اللقاء ليست رفضًا للتحول المناخي، بل شرطًا لشرعيته: انتقال عادل يبدأ من الحقوق، ويعزز قدرة الفلاحين والمجتمعات على البقاء والإنتاج، ويضع العدالة الاجتماعية والفلاحية في قلب العدالة المناخية. بعبارة أخرى، لا عدالة مناخية بلا عدالة فلاحية، ولا مصداقية لأي خطاب مناخي يتجاهل من يملك الأرض التي ستُقام عليها مشروعات “الحل”.

من المشروع إلى السياسة

من أكثر الخيوط دلالة في بيان تونس هو التحول من منطق المشروع إلى منطق السياسة العامة. فالمنطقة العربية عرفت، على مدى عقود، مئات المشروعات الزراعية الممولة من جهات دولية ومحلية، وبعضها حقق نجاحات موضعية حقيقية. لكن البيان يشير، ولو ضمنيًا، إلى مفارقة ظلت تتكرر: يمكن لمشروع صغير أن ينجح في قرية أو منطقة، بينما تستمر السياسة الزراعية نفسها -سياسات الدعم والاستثمار والبحث والإرشاد وإدارة المياه والأسواق- في إنتاج التهميش نفسه على نطاق أوسع. المشروع يعالج عرضًا موضعيًا؛ السياسة تنتج المرض البنيوي.

من هنا الدعوة الصريحة في البيان إلى مراجعة أنظمة الدعم والاستثمار والبحث والإرشاد الزراعي وإدارة المياه والسياسات البذرية والأسواق، بما ينقل الأولوية من النموذج الإنتاجي المكثف المعتمد على المدخلات إلى دعم صغار الفلاحين والزراعة الإيكولوجية والسيادة الغذائية. وهذا يعني أن حركة تنجح في هذا الاتجاه لا تقيس نجاحها بعدد المستفيدين من مشروع معين، بل بمدى قدرتها على تغيير “القواعد التي تنتج الواقع” -الأنظمة التي تحدد من يحصل على الدعم، ومن يصل إلى الائتمان، وأي بذور تُعتمد رسميًا، وأي نموذج زراعي تكافئه السياسة العامة.

ويتجلى هذا المنطق عمليًا في الالتزام بتحويل المشاورات الوطنية التي قدمتها الوفود خلال اللقاء إلى مسار مستمر لبناء برامج فلاحية عربية مشتركة، قادرة على التأثير في السياسات الوطنية والإقليمية والدولية. فالمشاورة الوطنية، إذا بقيت حبيسة اجتماع إقليمي، تتحول إلى طقس تشاوري بلا أثر؛ أما إذا تحولت إلى مسار تراكمي يغذي أجندات سياسية مشتركة، فإنها تصبح أداة بناء قوة، لا مجرد جمع آراء.

وهذا ما يفسر أهمية أن تصل هذه المشاورات إلى مستوى إقليمي موحد بدل أن تبقى حبيسة سياقها الوطني: فمصر وتونس والمغرب والسودان وفلسطين وغيرها من بلدان المنطقة تواجه، كل بخصوصيته المحلية، النمط نفسه من التحديات -تراجع الدعم الموجه لصغار الفلاحين، هيمنة سلاسل التصدير على السياسة الزراعية، ضعف البحث الزراعي التشاركي. حين تتراكم هذه الخبرات الوطنية في برامج إقليمية واحدة، فإنها تكتسب وزنًا تفاوضيًا أمام الحكومات والمؤسسات الدولية لا يملكه أي بلد بمفرده، وتصبح المطالبة بمراجعة سياسات الدعم والبحث والإرشاد مطلبًا إقليميًا منسقًا، لا نداءات وطنية متفرقة يسهل تجاهل كل منها على حدة.

النساء والشباب:

يتجنب البيان الختامي، بشكل لافت، مفردة “التمكين” التي تهيمن عادة على أي خطاب تنموي حول النساء والشباب. بدل ذلك، يضع المسألة في إطار مختلف تمامًا: “ما بقيت النساء والشباب على هامش القرار، فلا تحول إيكولوجي حقيقي ولا حركة فلاحية قوية”. هذه الصياغة تحوّل حضور النساء والشباب من “قضية اجتماعية مصاحبة” إلى شرط لصحة المشروع السياسي بأكمله. فالمسألة، كما يطرحها البيان، ليست عدد النساء المشاركات في الاجتماعات أو نسبتهن في البرامج، بل من يقرر، ومن يملك الأرض والماء والتمويل، ومن يُعترف بمعرفته الزراعية كمعرفة شرعية.

والبيان واضح في هذا التمييز حين يصف النساء بأنهن “منتجات للغذاء وحاملات للمعرفة والبذور والذاكرة الزراعية”، لا كفئة هشة تحتاج إلى دعم خاص، بل كفاعل معرفي وإنتاجي أساسي يجب أن تنتقل مشاركته “من التمثيل العددي إلى القيادة الفعلية وصنع القرار وإنتاج المعرفة والوصول إلى الأرض، والماء، والتمويل، والتنظيم”. هذا الفرق -بين الحضور في القاعة والحضور في غرفة القرار- هو جوهر النقد الذي يوجهه اللقاء ضمنيًا إلى عقود من برامج “تمكين المرأة الريفية” التي اكتفت غالبًا بالتمثيل الشكلي دون المساس بعلاقات الملكية والسلطة الفعلية.

أما الشباب، فيربطهم البيان مباشرة بمعضلة استمرارية الزراعة نفسها: بلا شباب يملكون أفقًا في الأرض، لا مستقبل للزراعة، وتصبح الهجرة من الريف -لا التجدد فيه- هي القاعدة. وحين يضع البيان قضايا الهجرة والتهجير وتراجع سبل العيش في الريف وحقوق العاملات والعمال الزراعيين ضمن قضية السيادة الغذائية نفسها، فإنه يرفض فصل هذه الملفات عن بعضها: لا يمكن الحديث عن سيادة غذائية بينما يغادر الشباب الريف لغياب أفق، وبينما يُترك العمال الزراعيون الموسميون والمهاجرون خارج أي حماية اجتماعية أو نقابية.

فلسطين: حين تتقاطع الأرض والاستعمار والبقاء

لا يظهر حضور فلسطين في بيان تونس كفقرة تضامن منفصلة يمكن اقتطاعها دون أن يتأثر باقي النص؛ فهو يحضر بوصفه الحالة الأكثر حدة لكل ما يناقشه البيان في أقسامه الأخرى عن الأرض والماء والسيادة. فحين يتحدث اللقاء عن الأرض كأساس للحياة لا كأصل للمضاربة، وعن الماء كحق لا كسلعة، فإن فلسطين تجعل هذه المبادئ ملموسة بأقسى صورها: أرض تُصادَر، ومياه تُقطع أو تُحوَّل، وزراعة تُستهدف بوصفها أداة بقاء لا مجرد نشاط اقتصادي.

يجدد البيان “تضامنه المطلق واللامشروط مع الشعب الفلسطيني، وفلاحاته وفلاحيه، في نضالهم من أجل الأرض والماء والحرية والكرامة، وفي مواجهة الاحتلال والاستيطان والاستيلاء على الموارد والتهجير وتدمير مقومات الحياة والإنتاج الزراعي”. والأهم من صيغة التضامن نفسها هو الإطار الذي يضعها فيه: الدفاع عن حق الفلاح الفلسطيني في البقاء على أرضه وزراعتها والوصول إلى مائه وبذوره “جزء لا يتجزأ من نضال الحركة الفلاحية العالمية من أجل السيادة الغذائية وحقوق الشعوب”. بهذا، لا تصبح فلسطين قضية سياسية “خارج” الملف الزراعي يُضاف إليه تضامنًا، بل هي الاختبار الذي يكشف ما إذا كان مفهوم السيادة الغذائية جادًا أم مجرد شعار: فإذا كانت السيادة الغذائية تعني حق الشعوب في أرضها ومائها وبذورها، فإن نزع هذا الحق بالقوة العسكرية والاستيطانية هو أوضح أشكال انتهاكها.

وهذا ما يمنح موقع فلسطين في بيان تونس ثقله: فهي ليست حالة استثنائية منفصلة عن نقاش الأرض والماء والبذور الذي شغل اللقاء طوال أيامه، بل النقطة التي تتقاطع فيها كل هذه الملفات في آن واحد وبأقصى درجة من الحدة. حين يرفض البيان “كل أشكال الاحتلال والاستعمار والحروب التي تستخدم الأرض والماء والغذاء أدوات للهيمنة والاقتلاع والتجويع”، فإنه لا يصدر موقفًا سياسيًا عامًا فحسب، بل يربط تجربة الفلاح الفلسطيني تحديدًا بتجربة كل فلاح في المنطقة يرى أرضه ومياهه مهددة بأشكال أخرى من نزع الملكية، وإن كانت أقل عنفًا وظهورًا.

السودان: الزراعة كشرط بقاء المجتمع

في السودان، لا تُطرح الزراعة كقطاع اقتصادي متعثر بل كساحة صراع مباشرة على استمرار الحياة نفسها. يجدد البيان تضامنه الكامل مع الشعب السوداني “في محنته تحت وطأة الحرب”، ويؤكد دعمه لإغاثته عبر العمل الزراعي ومساندة مزارعيه على مواصلة الإنتاج في ظل هذه الظروف القاسية. لكن الأهم هو الشكل الذي يتخذه هذا الدعم: ليس بيانًا إنسانيًا عامًا، بل تجديد دعم وتضامن محدد مع مبادرة تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل، في حملتها لدعم زراعة أكبر مساحة ممكنة، لما لذلك من أثر مباشر في التخفيف من وطأة المجاعة عن السودانيين.

هذا التحديد له دلالته: حين تنهار الدولة ومؤسساتها تحت وطأة الحرب، تصبح قدرة المزارعين أنفسهم على تنظيم أنفسهم وزراعة الأرض فعل مقاومة اجتماعية بقدر ما هو نشاط زراعي. التضامن هنا ليس مع “ضحايا” بالمعنى الإغاثي، بل مع فاعلين زراعيين يحاولون، وسط الحرب، أن يبقوا الأرض منتجة والمجتمع قادرًا على الإطعام نفسه.

من الحضور المتفرق إلى مساحة سياسية إقليمية

ربما يكون أهم ما لا يظهر في عنوان مباشر داخل البيان، لكنه يسري في بنيته كلها، هو تحول طريقة حضور المنطقة العربية داخل لا فياكامبيسينا. فالحركة الفلاحية العالمية تضم عشرات المنظمات من قارات مختلفة، وكانت المشاركة العربية فيها، تاريخيًا، أقرب إلى حضور منظمات وطنية متفرقة تلتقي في مؤتمرات دولية دون أن تشكل بالضرورة موقفًا إقليميًا موحدًا. ما يوثقه بيان تونس هو محاولة لتغيير هذه المعادلة: بناء “منطقة عربية أكثر تماسكًا وحضورًا وفاعلية” داخل الحركة، قائمة على التنظيم الفلاحي القاعدي والديمقراطية والاستقلالية.

هذا التحول له آلياته الملموسة كما وردت في البيان: المشاورات الوطنية التي قدمتها الوفود خلال اللقاء ليست غاية في ذاتها، بل مادة خام تتحول عبر مسار مستمر إلى برامج فلاحية عربية مشتركة. ومدارس الزراعة الإيكولوجية ليست فقط أداة تدريب، بل، كما رأينا، آلية لإنتاج معرفة إقليمية مشتركة تصلح أساسًا لموقف سياسي موحد. وحين يؤكد البيان أهمية “حضور عربي منظم وفاعل” في المؤتمر النصفي للفيا كامبيسينا في تايلند، فإنه يشير إلى أن الهدف ليس فقط “الحضور” الرمزي في فعاليات الحركة العالمية، بل تمثيل موقف إقليمي واضح إزاء الأرض والماء والبذور والمناخ والسيادة الغذائية وحقوق الفلاحين.

وما يمنح هذا المسار خصوصية هو أن المنطقة العربية لا تدخل الحركة الفلاحية العالمية بصفحة بيضاء، بل بخبرة تاريخية وسياسية شديدة الكثافة: الاحتلال والاستيطان في فلسطين، الحرب في السودان، أزمات المياه العابرة للحدود، المديونية، الهجرة، التفاوت الحاد بين الريف والمدينة، والاستحواذ على الأراضي في أكثر من بلد. هذه الخصوصية ليست عبئًا يُثقل المشاركة العربية في الحركة العالمية، بل، إذا أُحسن التعبير عنها سياسيًا، رصيد يمنح المنطقة صوتًا مميزًا داخل نقاش عالمي حول السيادة الغذائية والعدالة المناخية.

والمؤتمر النصفي للفيا كامبيسينا في تايلند، الذي يشير إليه البيان، ليس مجرد محطة تنظيمية على اجندة الحركة العالمية؛ فحين تحضر إليه المنطقة العربية بموقف موحد بُني عبر مشاورات وطنية ومدارس فلاحية ونقاش إقليمي ممتد، فإنها تحضر كفاعل له أجندته الخاصة، لا كمجموعة وفود تستمع لأولويات تُصاغ في مناطق أخرى من العالم ثم تنضم إليها لاحقًا. وهذا هو جوهر الفارق بين “التمثيل” و”البناء”: التمثيل يكتفي بإرسال مندوب يحمل صوتًا، بينما البناء يفترض أن هذا الصوت نتاج عملية سياسية داخلية استغرقت وقتًا وجهدًا تنظيميًا حقيقيين، كما تعكسه خطوات ما قبل تونس نفسها وما تلاها من التزامات.

حركة فلاحين لا منظمة تنمية

يستحق التمييز الذي يقترحه منطق البيان وقفة خاصة: الفرق بين أن تكون منظمة تنمية زراعية، أو شبكة منظمات، أو حتى لوبي يدافع عن مصالح القطاع الزراعي، وبين أن تكون حركة فلاحين. منظمة التنمية تنفذ مشروعات وتقدم خدمات لمستفيدين. الشبكة تنسّق بين أعضاء مستقلين دون بالضرورة أن تنتج موقفًا سياسيًا موحدًا. اللوبي يدافع عن مصلحة قطاعية ضيقة أمام صناع القرار. أما حركة الفلاحين، كما تتبدى ملامحها في بيان تونس، فهي تفترض شيئًا مختلفًا جوهريًا: قاعدة فلاحية تنظم نفسها ديمقراطيًا، وتنتج معرفتها ومواقفها بنفسها، وتخوض صراعًا سياسيًا حول من يملك الأرض والماء والبذور والقرار، لا فقط من يحصل على خدمة أو تمويل.

هذا الفارق يظهر في مفردات البيان نفسها أكثر مما يظهر في تصريح مباشر: الانتقال من المستفيد إلى صاحب الحق، من المشروع إلى السياسة، من التدريب إلى إنتاج المعرفة، من التنسيق إلى بناء القوة الجماعية، ومن التضامن الرمزي إلى الفعل السياسي المشترك. حين تصف المنطقة العربية نفسها كجزء من حركة فلاحية عالمية، لا كشريك أو مستفيد من برامجها، فإنها تضع نفسها في موقع مختلف تمامًا إزاء الدول والمانحين والأسواق: موقع من يفاوض ويصارع لا من يستجدي أو ينفذ.

من ينتج رواية الريف؟

يخصص البيان الختامي التزامًا واضحًا بتطوير الإعلام والتفاعل الرقمي والإصدارات الإقليمية بوصفها جزءًا من بناء القوة السياسية والمعرفية للحركة، وبإنتاج معرفة تنطلق من أصوات الفلاحين وتجاربهم ونضالاتهم، “بحيث يكون الفلاحون منتجين للمعرفة لا موضوعًا لها”. هذا الالتزام، رغم اقتضابه في نص البيان، يحمل وزنًا سياسيًا أكبر مما يبدو للوهلة الأولى. فالريف العربي، تاريخيًا، كان في الغالب موضوعًا تكتب عنه جهات أخرى: باحثون أكاديميون، خبراء تنمية، صحفيون عابرون، مؤسسات دولية تصدر تقاريرها عن “الفلاح العربي” دون أن يشارك هو في صياغة السؤال أصلًا. من لا يروي قصته عن نفسه، تُروى عنه، وغالبًا بلغة لا تشبه تجربته.

حين تضع الحركة إنتاج المعرفة والإعلام في صلب استراتيجيتها، إلى جانب مدارس الزراعة الإيكولوجية والمشاورات الوطنية، فإنها تقر بأن بناء القوة السياسية لا يتحقق فقط عبر التنظيم الميداني، بل أيضًا عبر من يملك سلطة السرد: من يقرر ما هي “المشكلة الزراعية”، ومن هو “الفلاح النموذجي”، وأي الحلول تبدو “واقعية” وأيها “مثالية”. حين يصبح الفلاحون أنفسهم منتجين لهذه الرواية، لا مجرد مصدر بيانات لتقارير يكتبها آخرون، يتغير موقعهم في المعادلة السياسية بأكملها.

ماذا بعد تونس؟

السؤال الذي يستحق أن يُطرح بعد قراءة بيان تونس ليس ما إذا كانت لغته طموحة -فهي كذلك بوضوح- بل ما إذا كان هذا الطموح قابلًا للتحول إلى قوة سياسية واجتماعية مستدامة، أم سيبقى حبيس نص جيد الصياغة. الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في تونس نفسها، بل فيما يليها: هل تتحول مدارس الزراعة الإيكولوجية من التزام نصي إلى شبكة فعلية تنتج قيادات ومعرفة على الأرض؟ هل تُستكمل المشاورات الوطنية وتتحول فعلًا إلى أولويات إقليمية مشتركة قادرة على التأثير في سياسات ملموسة؟ هل يترجم الالتزام بقيادة النساء والشباب إلى تغيير فعلي فيمن يصل إلى الأرض والتمويل والتنظيم، أم يبقى في مستوى الصياغة؟

ما يمنح بيان تونس مصداقية أولية هو أنه لا يكتفي بسرد المبادئ، بل يربطها بمسارات محددة قابلة للمتابعة: إطار إقليمي لمدارس الزراعة الإيكولوجية، مشاورات وطنية تتحول إلى أولويات مشتركة، سياسات عامة تُراجَع فعليًا في ملفات الدعم والبحث والإرشاد والمياه والبذور والأسواق، حضور منظم في فعاليات الحركة العالمية، واستراتيجية إعلامية ومعرفية إقليمية. هذه المسارات تمنح مراقبي المرحلة القادمة معايير واضحة لقياس ما إذا كانت المنطقة العربية قد تحولت فعلًا، أم أن تونس ستبقى نقطة توقف عابرة في تاريخ طويل من اللقاءات التي تصدر بيانات قوية دون أن تغيّر ميزان القوى في الحقل.

وثمة معيار أكثر تحديدًا يمكن أن يستخدمه أي متابع لقياس جدية هذا المسار في الأشهر المقبلة: هل تتحول قضايا الأرض والماء والبذور، حين تُثار في منتديات وطنية أو إقليمية أخرى، إلى مطالب سياسات محددة تحمل توقيع المنطقة العربية ككل، أم تبقى كل دولة تخوض معاركها منفردة كما اعتادت؟ وهل يظهر أثر مدارس الزراعة الإيكولوجية في نقاشات السياسات الزراعية الوطنية، أم يبقى أثرها محصورًا في نطاق الحقول التي أُنشئت فيها؟ الإجابات عن هذه الأسئلة، لا لغة البيان نفسها مهما بلغت دقتها، هي ما سيحدد ما إذا كانت تونس قد شكّلت بالفعل نقطة تحول.

ما هو واضح، في المقابل، أن المنطقة العربية داخل لا فياكامبيسينا لم تعد تكتفي بالحضور في هامش الحركة العالمية. هي تحاول، من خلال مسار يبدأ من مدارس فلاحية محلية ولا ينتهي عند مواقف سياسية إقليمية موحدة، أن تصوغ لنفسها موقعًا مختلفًا: ليس كمنطقة تستقبل نماذج التنمية الزراعية من الخارج، بل كفاعل ينتج تجربته ومعرفته وموقفه السياسي بنفسه، انطلاقًا من أرض محملة بتاريخ من الاحتلال والحرب والجفاف والصمود، وبرصيد معرفي فلاحي لم يبدأ من الصفر يومًا.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

You may use these <abbr title="HyperText Markup Language">HTML</abbr> tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*